عبد القادر الجيلاني

231

فتوح الغيب

المقالة الثّالثة والخمسون في الأمر بطلب الرّضا من « 1 » اللّه والفناء به تعالى اطلبوا من اللّه عزّ وجلّ الرّضا أو الفناء ، لأنّه هو الرّاحة الكبرى والجنّة العالية المنفردة في الدّنيا ، وهو باب اللّه الأكبر وعلّة محبّة اللّه لعبده المؤمن ، فمن أحبّه اللّه لم يعذّبه في الدّنيا والآخرة ، فبه اللّحوق باللّه عزّ وجلّ والوصول إليه . ولا تشتغلوا بطلب الحظوظ وأقسام لم تقسم أو قسّمت ، فإن كانت لم تقسم فالاشتغال بطلبها حمق ورعونة وجهالة ، وهو أشدّ العقوبات ، كما قيل : من أشدّ العقوبات طلب ما لا يقسم . وإن كانت مقسومة فالاشتغال بها شره وحرص وشرك من باب العبوديّة والمحبّة الحقيقيّة ، لأنّ الاشتغال بغير اللّه عزّ وجلّ شرك ، وطالب الحظّ ليس بصادق في محبّته وولايته فمن احتاج مع اللّه غيره فهو كذّاب ، وطالب العوض على عمله غير مخلص ، وإنّما المخلص من عبد اللّه ليعطي الرّبوبيّة حقّها وتعبّده للمالكيّة والحقّيّة « 2 » ، لأنّ الحقّ عزّ وجلّ يملكه ويستحقّ عليه العمل والطّاعة له بحركاته وسكناته وسائر أكسابه ، والعبد وما في يده ملك لمولاه ، كيف وقد بيّنّا في غير موضع أنّ العبادات بأسرها نعمة من اللّه وفضل منه على عبده إذ وفّقه لها وأقدره عليها ، فالاشتغال بالشّكر لربّه خير وأولى من طلبه من الأعواض أو الجزاء عليها . ثمّ كيف تشتغل بطلب الحظوظ وقد ترى خلقا كثيرا كلّما كثرت الحظوظ عندهم وتواترت وتتابعت اللّذّات والنّعم والأقسام إليهم زاد سخطهم على ربّهم وتضجّرهم وكفرهم النعمة وكثرة همومهم وغمومهم ، وفقرهم إلى أقسام لم تقسم غير ما عندهم وحقرت

--> ( 1 ) في نسخة : ( عن ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( والحقيقة ) .